الشريط الأخباري

«الدَّهاء» الأمريكي ..!

اعتدنا في عالمنا العربي على تعظيم «دهاء» السياسة الأمريكية، لدرجة جعلت المواطن العربي يتقبل أحياناً «الهزيمة» الأمريكية له، كأنها قدر محتوم لا مفر منه..

فالأمريكي- بنظر المواطن العربي- ينفذ اليوم ما خطط له أسلافه منذ عشرات السنين، وهذا الأمريكي أيضاً يعرف جيداً ماذا يجب عليه أن يفعل بعد عقدين أو ثلاثة من الزمن..!.

وعلى ذلك، فالكون كله «يتحرك بإشارة من الأمريكي فقط»!

نعم.. السياسة الأمريكية حول العالم ليست غبية أو ساذجة كما يُخيل للبعض الآخر، بدليل نجاحها في تنصيب أنظمة وحكومات تابعة لها على مدى عقود، واستفرادها بالعالم لسنوات طويلة…

ولكن في المقابل هذه السياسة ليست بذلك الذكاء والدهاء الخارقين اللذين يحولان دون تجرعها «كأس» الخيبة والفشل، أو يجعلانها «معصومة عن الخطأ».

وإلا لما تورطت الإدارات الأمريكية المتعاقبة وفشلت في حروب أفغانستان ولبنان والصومال والعراق وغيرها، وعجزت في مناطق أخرى عن تغيير أنظمة حكم تعتبرها «مُعادية» لمصالحها ومشروعاتها ووجودها.

إنَّ هزيمة الشر الأمريكي في المنطقة العربية ليست بالأمر المستحيل.
فهذه الهزيمة لا تحتاج لتحقيقها أكثر من إيمان الشعوب بمبادئها وتمسكها بقيمها، وعندئذ لن يهم إن كان ما تنفذه الولايات المتحدة جزءاً من استراتيجية مضى على وضعها خمسون عاماً، أو هو نتيجة مشروع جديد يُرتب للمنطقة ودولها.

وتصبح هذه الهزيمة بحاجة إلى وقت أطول وتضحيات أكبر مع وجود أنظمة وحكومات تدين بالولاء والطاعة للبيت الأبيض، وتعمل على خدمته.. وبعض أنظمة دولنا العربية خير مثال!.

لذلك عندما تنسحب واشنطن من مكان ما، دخلته كقوة احتلال، فهذا ليس لأن هناك رئيساً في البيت الأبيض لا يتمتع بالأهلية السياسية المناسبة أو لأن ذلك القرار جاء استجابة للرأي العام العالمي، وإنما لأن خسائرها البشرية والسياسية والاقتصادية باتت أكبر من أن تُحتمل.

وعندما تنجح سياستها في منطقة معينة من العالم، فهذا ليس لأن من يسكن في البيت الأبيض محنك وذكي، أو أن مشروعاتها حملت الخير والرخاء للعالمين، وإنما لأنه لم يكن هناك من يقاومها بما يكفي، ويمنعها تالياً من تحقيق أهدافها أو بعض منها.

وما ثقافة الإحباط واليأس التي تجتاح بعض مجتمعاتنا، إلا محاولة لترسيخ فعل القبول الدائم لكل ما يأتي من الخارج..

ولكي لا يكون حديثنا أقرب إلى الشعارات الإيديولوجية أو الشعبوية، فإن السِّير الشخصية لكثير من المسؤولين الأمريكيين، التي تصدر بين الفينة والأخرى، تعترف بفشل خطط بلادهم للنيل من بعض القادة السياسيين، وتعثر السيطرة وفرض النفوذ على دول ومناطق معينة.. هذا رغم أن سرد تلك المعلومات يأتي في سياق يقدمون فيه بلادهم كدولة ديمقراطية، «تسهر» على راحة العالم أجمع.

في هذه الزاوية ليس ثمة تقليل من قوة «الإمبراطورية» الأمريكية، ولا أعتقد أن هناك عاقلاً واحداً في العالم يفعل ذلك، لكن كم من دولة صغيرة صاحبة حق هزمت دولة كبيرة مغتصبة حق.. والتاريخ يشهد.

بقلم: زياد غصن

انظر ايضاً

اقتصاد الحلِّ السياسي

كل تفصيل في الحرب الإرهابية على بلدنا وتصدينا لها كان له ثمن اقتصادي..أو لنقل: كان …