حلب.. القامة والمقدار

حلب.. التاريخُ والأصالةُ والعراقةُ كانت دائماً تتغنى، وتشتهر بتصدير الأبلغ من علومها والأجمل من فنونها والأكثر تميّزاً من صناعتها وتجارتها.. فكانت دائماً المدينة العتيقة التي لم تبخل يوماً في تصدير العناوين الاستثنائية على كل الصعد، وهي تحاكي التاريخ، ماضياً، وتماثله حاضراً… حلب الممرّ التجاري المهمّ على طريق الحرير، والساكنة قلب كتب التاريخ كـ«الأغاني» لأبي فرج الأصفهاني وكتاب الفارابي، الموسيقي الكبير.. حلب قبلة الشعراء والمفكّرين والسياسيين والتجّار ووجهتهم.. حلب أمّ الطرب، و«التخت الموسيقي الشرقي» بلا منافس، ومنبع قدود سميّت باسمها «القدود الحلبية»، وهي «منظومات غنائية مُتَوَارثة عن الأجداد، من طقطوقة وموشّحات وموّال».. بينما القدّ لغةً هو القامة والمقدار، أي أنّ تصنع شيئاً على مقدار شيء.

حلبُ الشهباء.. لا تستطيع اليوم إلا أن تقدّم عنواناً سياسياً عظيماً على قدّ عظمة اسمها، وهو الانتصار الكبير على إرهاب أذاقها الأمرّين.. انتصار في حربٍ مشروعةٍ على الإرهاب الدولي والسلوكيات الإجرامية لـ«البلطجي» أردوغان ومرتزقته، ومنظومة عدوان بات لزاماً عليها ورغماً عنها أن تعترف بسوء سياساتها وخططها وتداعيات إجرامها، وقبلَ كلِّ ذلك الاعتراف بهزيمتها النكراء.. إذ إنهم في سورية.. التي لا تستطيع إلا أن تتقيأ، وتلفظ كلّ وجود غير شرعي على أراضيها، وتصدّ كلّ من يتطاول على سيادتها، فكان تحرير محيط حلب وتأمين المدينة نصراً يُضاف إلى انتصارات سابقة.. وكانت حلب حجر الرحى الذي يطحن كلّ المخططات الإرهابية والمشروعات العدوانية، وقذارات كلّ من هبَّ ودبَّ من المرتزقة، إذ كلّهم تحت حجارتها سواء.

حلب… دمشق… وكلّ المحافظات السورية تعيش هذه الأيام كرنفال نصر؛ طبوله مدفعية الجيش العربي السوري وهي تدكّ آخر أوكار وجيوب التنظيمات الإرهابية، بينما أكاليل الغار تزيّن مداخل حلب- الطريق الدولي والمطار- برّاً وجواً.. حلب بصمود أبنائها ووطنية موقفها كانت أيضاً عنواناً استثنائياً رديفاً لعناوين المدينة التي يقول عنها السيد الرئيس بشار الأسد الذي قاد بحكمته سورية إلى تحقيق الانتصارات على الإرهاب وكل من ينال من سيادتها وثوابتها «وفاء أهل حلب للوطن والجيش قَلَبَ حسابات الأعداء».. فكان الإنجاز العسكريّ شرحاً عملياً لهذه المقولة، وقوله كذلك: «إن ما بعد حلب لن يكون كما قبلها».. إنه يقين القائد النابع من استثنائية مكان واستثنائية بطولات عسكرية، الإصرار فيها على تحقيق الحسم العسكري الذي لا بديل عنه في الميدان.

حلب الآن آمنة، وخارج نطاق نيران التنظيمات الإرهابية وقذائفها.. هذه التنظيمات المدعومة من نظام أردوغان الخارج على الشرعية الدولية، أردوغان الذي يعاني عقله السياسي الهشّ اليوم هستيريا الهزيمة وتراكم الخيبات، وبرغم ذلك لم يرعوِ عن آثامه وجرائمه ومازال يواصل اعتداءاته على أراضي سورية وشعبها محاولاً إنقاذ إرهابييه بدعم من دول غربية مازالت مصرّة على إحياء مشروعاتها الخبيثة ومدّ أدواتها بأسباب البقاء والحياة، مع تقديم ما أمكن من مساعدات لوجستية و«إمداد تعبوي وتمويني»، وإطلاق خطابات ناريّة فارغة وواهمة لرفع معنوياتهم المنهارة، بينما جلجلة معارك التحرير تؤكّد للغازي «البلطجي واللّص أردوغان» بما لا يدع مجالاً للشكّ نفوق هرطقاته وتلاشي أثرها من على المنابر وفي الميدان، وسقوط مشروعه وأحلامه البائدة، وما عليه إلا أن يحزم حقائب إرهابه ويرحل.

محمد البيرق

انظر ايضاً

جيشُ الشّعبِ

في تاريخ كلّ الأمم ثمة الكثيرُ من الحروب، وتنظر كلُّ أمة إلى حروبها بعين الافتخار …